يونيو 20

1
المستحيل _ أين هو _ ؟

كلمة ما أكثر ما سمعناها لكن هل وعيناها ؟ أظن أن الكل يعي معناها جيدا ، و ليس لقائل أن يقول أن المستحيل يتحقق . بل المستحيل ما تعذر وجوده في كل زمان و مكان . و ما خرج عن هذا المعنى لا يعدو أن يكون ضربا من ضروب الصعاب ، أن كل ما هو غير ممكن ، أو كل ما لا يمكن تصور وجوده في زمن ما و مكان ما ، يمكن حدوثه في زمن غيره و مكان غير المكان الأول ، إلا ما تعلق بالذات الإلهية .
إذن واقعيا و حسيا بل و حتى معنويا ليس هناك شيء في الكون اسمه المستحيل . فالمستحيل هو العدم ، أي الشيء الذي لا وجود له . فلماذا إذن نقول إن هذا شيء مستحيل ما دام يمكن أن يتحقق مستقبلا ، بل لا يجوز إلا أن يكون إلا صعبا في أوانه ذاك . فمثلا الناس كانوا يحلمون بسرعة في التواصل و التقارب فكان التواصل غير المادي أي الجسدي المعبر عنه بالرحيل غير ممكن بتاتا ، بل مما يطلق عليه المستحيل لذاته لأنه لا يمكن و أحرى أن نقول يصعب حتى أن يفكر فيه الناس ، كالتواصل الهاتفي و الإذاعي و الفضائي ، و غير ذلك فقد يتهم بالحمق و الجنون كل من يدعي شيئا من ذلك في زمن مضى ، و لكنه اليوم أصبح عاديا فكيف نقول إنه مستحيل؟ إذن فالمستحيل غير موجود .
لماذا أدعي أن المستحيل غير موجود ؟ لأن هناك أدلة إيجابية و أخرى سلبية، إذ أن المستحيل في نظري لا يعدو أن يكون أكثر من اسم لغير مسمى . كيف ذلك ؟
فإذا قلنا أن هذا الشيء مستحيل و كان حقا لا يمكن تحققه ، فلا يعدو أن يكون عدم الإمكان مرتبطا فقط بذلك الزمان أو بذلك المكان ، مثلا : التلفاز ، الهاتف ، و غيرهما ، مما كان حتى التفكير فيه يعد غير ممكن أو ضربا من الحمق و العته ، لكن ذلك تحقق و أصبح أمرا واقعيا وواقعا عاديا .
ولكن ، هل أتى أصحابه بشيء جديد ؟ بتاتا و قطعا لا ! فالكل من هذا الكون و فيه ، يعني الكل مخلوق قلا و مستقبلا . و يعدو الأمر أن يكون مجرد اكتشاف لما هو موجود ، و تنظيم لما هو مبعثر و تركيب لما هو منحل ، ليس إلا . فالبشر باختراعاته هذه لم يصنع شيئا من عنده بل الكل ممنوح له يتحكم فيه بحسب التصرف. وما يأتي أعجب و أغرب . فقد يحصل أن تكتشف ذبذبات في الهواء تبعث من خلالها ما تريد من غير آلة مصنوعة ، بل بمجرد الفعل الطبيعي ، و قد يحصل ما لا يتصور ، بما ان العلم في تقدم . و الله يعطي كل سائل ما أراد ، لكن يهيئ لكل عطاء ظروفه و زمانه حتى لا يكون مفاجأة كبرى و لا صدمة عظمى . إذن فليس في هذا الباب شيء مستحيل .
بل العلم يحقق كل ما يتصور و ما لا يتصور ، فقط ينبغي أن يكون المطلوب جائزا ، يعني غير مخالف للقوانين الكبرى التي وضعها الله في الطبيعة . و من هذا الباب قد يقف العاجز كسلا متشبتا بأن الصعب مستحيل فيقعد عن العلم و طلبه و عن الجد و الجلد فيه .
و بالتالي كل شيء يبقى مستحيلا و إن كان لا مستحيل في الكون و لا جديد على الأرض .
بل هو طلب و تصرف و حصول ، فالمستحيل في قاموس التحدي الطبيعي غير موجود .
فإذا قلنا أن فلانا يحيي الموتى !! و حاشا لله أن يكون له ند في هذا ، فالأمر ليس مستحيلا بل صعب المنال فقط ، إذ يمكن حصول ذلك ، و إن كان لا يمكن لأي شخص إحداثه حسب القوانين الكبرى للطبيعة التي تقتضي التدرج للأشياء الممكنة و الصعبة الكفيلة التحقق مستقبلا و المستبعدة توقعا .
و تقتضي الخرق للأشياء التي لا يتحكم فيها علم و لا تجربة ، بل هي خاضعة تمام الخضوع لهذا القانون الذي لا يخرق و لا يخالف و لا يعدل إلا ممن وضعه و في الأزمان و الأوقات الاستثنائية التي لا بد منها .
فدستور الكون إذن يمكن تعديله لكن ليس من طرف الخلق بي من طرف المشرع فهو الكفيل بذلك ، و بالتالي يصبح الصعب سهلا و غير الممكن مؤقتا ممكن التحقق . فكل شخص منا يمكن له أن يحيي الموتى _ و حاشا لله أن يكون له ند _ ولكن يكون ذلك بالكرامة الداعمة أو الفتنة الهادمة ، و ما ذلك إلا بإذن الله ، و قد حصل هذا مع عيسى عليه السلام في خرق واضح للقانون عن طريق المعجزة ، و قد يحصل مع عبد صالح عن طريق الكرامة ، و يكون فقط الفعل المادي الظاهر مع الإنسان و له ، و الفعل الروحي و الأصلي لله لا ينازعه فيه أحد ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . ثم إن أمر الإحياء حصل مع سيدنا موسى في البقرة ، و مع سيدنا إبراهيم عليه السلام في قصة الطير الذي شطره إلى شطرين ، و علم الله كم حصل قبلهم و بعدهم عليهم السلام و الآتي يعلمه الله . لكن المعلوم بالضرورة أنه سيأتي من البشر من سيحيي الموتى و طبعا بإذن الله و ليس اعتمادا على قوته ، و هذا معلوم علم اليقين ، لكن هذه المرة سيكون من طرف كافر فاسد و ليس من طرف صالح ، و يكون من طرف عدو من أعداء الله و ليس من طرف حبيب من أحبائه أو ولي من أوليائه . وهذا أمر محتوم بغض النظر عن أنه سيكون فتنة للناس ، كما كان من قبل تثبيتا لهم ، و كل هذا ضدا على قوانين الطبيعة و دستورها الذي لا يمكن خرقه إلا بتعديل استثنائي . و من هذا لا وجود للمستحيل في هذا الكون بين المخلوقات بعضهم بعضا .
إذن فالمستحيل مجرد اسم لغير مسمى و لا حقيقة له غير أن مجرد كلمة .
و أما ما تعلق بالذات الإلهية فقد نسميه مستحيلا أو غير ممكن ، كأضداد الأسماء الحسنى و الصفات العلى ، من الفقر و العجز و الضعف و الجهل و غيرها من الصفات الناقصة و الحاطة ، و حاشا لله أن يتصف بها و تعالى عنها علوا كبيرا.
فهذه الصفات لم توجد و لا توجد و لن توجد ، إذن فهي صفات مستحيلة و غير ممكنة و لا يمكن تصورها في زمن من الأزمان أو مكان من الأمكنة لك أن الله القوي المتين ، الحاكم المطلق ، القاهر فوق عباده ، لا يمكن أن يختار لذاته العليا ما لا يناسبها . و لا يتصف إلا بما جل و عظم ، و غير ذلك في حقه تعالى هو عين المستحيل . و بما أن الله لا أول له و لا آخر فلا يمكن أن يكون متصفا بشيء من الأوصاف المؤقتة التي تتعلق بالمراحل و الفترات الحياتية من ضعف و جهل و عجز و بخل و غير ذلك ، إذن فمالك كل شيء لا يرضى إلا بالكمال المطلق .
و بالتالي فلا وجود للمستحيل إلا ما تعلق بالذات الإلهية…. يكمل

مايو 13

للدنايا حياة و المكارم تدفن
 

 

قال طرفة بن العبد البكري :
 

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى       و أن أشهد اللذات فهل أنت مخلدي
فإن  كنت  لا تسطيع  دفع  منيتي        فدعني  أبادرها  بما  ملكت   يدي
و لولا ثلاث  هن من عيشة الفتى       و جدك لم أحفل  متى قام  عودي
فمنهن  سبقي  العاذلات   بشربة         كميت  متى  ما  تعل  بالماء تزبد
و كري إذا نادى المضاف محنبا         كسيد    الغضا    نبهته   المتورد
و تقصير يوم الدجن و الدجن معجب ببهكنة    تحت    الخباء   المعمد
 

فلنتأمل هذا الشعر و لنقارنه بالواقع الذي نعيشه ، إذ لم نعد نعش إلا على أخلاق الجاهلية الدنية ، و رذائلها الفانية ، و منكراتها الأخلاقية و الوثنية ، لم يعد لنا ما نفتخر به إن سلكنا تلك الطريق ، فبعض الناس بل الغالب الآن و العياذ بالله لا يأخذون من كل حضارة إلا ما رذل منها ، و لا من الأخلاق إلا ما شان منها ، و هنيئا ثم هنيئا لمن دان بدين الإسلام في الأرض كلها .
و لنتأمل قول الشاعر و لنعكسه على واقعنا لنرى ما هو متحقق من دناياه و ما هو مبعد من سجاياه ، فلنقف وقفة تأمل موضوعية دون تحيز و لا عاطفة ، و لكن فلنواجه الحقيقة العاصفة ، و لنقف في وجه الأخلاق الناسفة . و ليكن لنا رأي حتى لا نكون كالأعشاب الطفيلية و غيرها مما يضر و لا ينفع ، و ليكن لنا دور و لتكن لنا حياة ، حتى نحيي المكارم و ندفن الدنايا و المآثم .
فلنستعرض أوجه الاتفاق في الدنايا و الخلاف في السجايا و المزايا من خلال هذا الشعر و واقعنا حتى ندرك مدى ما وصلنا إليه من التخلف الفكري و التفسخ العقدي .
فمن خلال قوله : ألا أيهذا … مخلدي . نجده يتحدى لائميه و زاجريه و من خلالهم يتحدى الواقع المر الذي ربما عاب عليه كثرة حضوره الوغى و التعاطي للشهوات و الملذات الزائلة ، و قد اعترض و احتج على من لامه و زجره لكونه ليس بمخلده و لا مطولا عمره .
و أكد ذلك في قوله : فإن كنت … ملكت يدي .  حيث لمح إلى أن فاقد الشيء لا يعطيه ، فإن كان لا يستطيع الخلد ، و لا يستطيع دفع الموت عنه و عن نفسه ، فخير له أن يتركه و شأنه .
ثم إنه زاد فأكد أنه من ضرورات عيش الفتى ما لامه عليه قومه و زاجريه و ذلك بقوله : فلولا ثلاث هن …عودي  .   إذ لا قيمة للفتى و لا لعيشه إن كانت دنياه بلا وجودهن ، فهن ذوق الحياه و هن شرف في الممات ، هذا في عصره  . و قد أقسم أنه لا يقيد وزنا للحياة بدون هاته الثلاثة : الشرب : خمرة كميت و السبق إليه ، الكر و نجدة المضاف أو المستجير و التقصير : أي المبيت مع العاهرات و شرب الخمور .
و هذا هو بيت القصيد الذي عقدت حوله هذا المقال الوجيز . فحكم عقلك و قارن أيها القارئ الكريم .
فإذا استقرأنا الواقع الحالي الذي نعيشه ، نجد أننا نعيش دنايا طرفة و لكنه يتبرم عن سجاياه و مزاياه ، فأنى كانت دناياه و مزاياه ؟ و ما علاقتها بالواقع  المعاش ؟
إن شباب اليوم و رجاله بل حتى بعض من تجاوز سن الهرم و دخل طور الشيخوخة يرى أن من لم يخض في هذه المغريات و الملذات و لم يذق طعم هذه الشهوات ناقص الرجولة ، حتى أصبح عندهم من الغريب وجود العكس ، و لكن في نفس الوقت لا وجود لما ذكر مما يستحسن وجوده .
فأما قوله : فمنهن سبقي العاذلات … فهي من الدنايا التي تعود عليها الناس من الذكور شبابا و شيبا و قلما نجد من وقاه الله شرها ، فلم يتنافسون و يتسابقون على شرب أحسن أنواع الشراب المخزي و قد يفوقون في جودته ما كان معروفا لدى طرفة الذي اكتفى بالشراب الكميت الذي كان يعد من أجود ما كان منه . ثم إنهم يفتخرون به كما افتخر و ما علموا أنهم احتقروا أشد مما احتقر . و يتباهون على من لم يتف بدناياهم و يعاندون النصاح و يعاملونهم على أنهم عذال شامتين و لحد الآن فالأوضاع متشابهة .
 و أما قوله : و كري إذا نادى … المتورد .   فيستفاد منه خلقا عظيما و خيرا عميما و هي السجية الوحيدة و المزية الفريدة من بين الثلاثة المذكورة ، و للأسف لا نجد لها بقية و لا وجودا في حياتنا العربية . فأين هو الإباء و الجوار و الإضافة يا شباب العرب المسلم ؟ أين أنتم فيها من عرب الجاهلية ،؟ أين أنتم أين نصركم لقضاياكم ؟ أين إباؤكم ؟ و أين ذودكم عن إخوانكم ؟ و أين و أين و أين ؟ العراق ضاعت و لا مجير و فلسطين ضاعت و لا مغيث ،! و الهند و القوقاز .! و و  و … و لا من يسمع أو يدافع ، و لا من يضيف أو يرافع .
هذا ما نحن في حاجة إليه . نحن نحتاج إلى شباب أبي شجاع لا مكان و لا حظ للذل فيه .
فهذا طرفة كان إذا استجاره أحد أو طلب منه الإضافة خوفا من أحد أو هروبا منه ، استنفر نفسه و سيفه و قلبه ، فكان كالأسد إذا استفز بماء بارد على حين غفلة منه ، إذ يستنفر قواه فلا يترك من ظلمه إلا و فرسه فرسا أو أربه إربا ، إنه كالأسد الغافل الدافئ في مكانه فتصب عليه ما برد . فينهض بلا عقل  و لا روي و الجهد يتضاعف إلى جهدين فيهزم الظلمة المعتدين .
هكذا يجب أن نكون كطرفة ، بل أحسن و أكثر .  حتى لا نكون هدفا لمن هب و دب ، كما هم إخواننا الذين استجاروا و ل يجاروا و دعونا حتى يئسوا و حاروا .
لكن ليس كل شيء بل فيما حسن و طاب و أن تكون لنا لبدة أسد ذات أهداب . فإن كان طرفة يجير كل من استجار به و يكر على من عاد المستجير به سواء كان قريبا أو بعيدا ، صديقا أو غريبا ، فالواجب علينا على الأقل إعانة الإخوان و إضافة المضاف من المسلمين أو العربان … فالقول في هذا مديد و الدهن شريد و المكان يقتضي منا الإيجاز و التحديد .
و أما آخرة الثلاثة و هي من الدنايا و ليست من المزايا أو السجايا ، و هي تلك التي قال فيها : و تقصير …. المعمد .   فهي أيضا مما عمت به البلوى و اعتلى الربوة ، هي ما شاع و داع ، و فشا بين الناس أطفالا و شبابا و شيبا ، فالكل يقصر ليله ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فمن مقصر بصديقة وفية و متلبس في خيانة زوجية و ذاهب إلى مواخر الزنا المرضية ، لكن العمل واحد و إن اختلف الجزاء . و المهم أن الأمر الواقعي الحالي في ها المجال موافق لرغبات طرفة ، إلا أن طرفة كان يفضل البهكنات السمينات التي وصفت أنها إن صب عليها دلو ماء لا يصل إلى الأرض من عظمتها و سمنتها . و أما العصريون فيفضلون النحيفات الخفيفات المعتدلات اللائي يقضين الغرض و يخفين الهوية . أو يلازمن الشباب ملازمة المطية فيفتخروا بهن فخر الجاهلية من غير حياء و لا حشمة و لا وزائع دينية .
و إن كان طرفة يفضل الخيمة المعمدة في ليل مظلم داجن فإن شباب اليوم يقدم السيارة و النزل المريح في ليله حمراء مضاءة بمصابيح مزركشة وضاءة … و تفصيل ما أريد التوصيل فهو معروف ذو تأصيل فلنتركه لعقولكم و خيالكم الواسع .
و أخيرا اسمحوا لي إن أكثرت التشبيه بالجاهلية لأنه أبلغ ، و بما أننا في جاهلية القرن الحادي و العشرين فلا حرج في ذلك . و يعز علينا أن نجد النموذج في الإسلام لذلك .   و السلام .
 

مايو 13
ساعة سعيدة
[ قصة قصيرة ]
 

 


في يوم صيف حار ، اتفق أحمد و أمين على الخروج إلى الصيد كما اعتادا دائما ، فاختارا هذه المرة أن يذهبا إلى الغابة ، فاستقلا سيارتهما ، و بينما هما في طريقهما إليها ، اعترض سبيلهما شيخ غريب الأطوار ، فطلب منهما أن يساعداه حسب الإستطاعة ، فتوقف الشابان تلبية لحاجة الشيخ ، فاستفسراه عن طبيعة المساعدة .؟ فما كان منه إلا أن قال لهما : إن لي مطمورة عميقة و مظلمة ، و قد سقطت فيها صرة لي ، فيها كل ما أملك من النقود و لم يبق لي شيء، و قد أصبحت على شفا جرف هار ، يدنين من الحاجة إلى سؤال الناس ، و إني ليعظم علي سؤال الناس أموالهم ، و مالي ضائع أعلم مكان ضياعه . و إني لأظنكما شابين شجاعين فليهبط أحدكما إلى هذه المطمورة و إن له ثلث ما في الصرة ، فحملق أحدهما في الآخر و نكصا مكانيهما جاثمين ، لم يستطع أحدهما الحركة أو النطق ببنت شفة .
 فبادرهما الشيخ : يا ولدي ، إنه لا خطر هناك و إنما الظلام و العمق فقط ، فدنا أحمد مكابرا مستعدا للنزول ، فإذا به يسمع خشخشة و يرى العنكبوت تنسج بيوتها على بوابة المطمورة ، فتراجع رهبا .
و اقترب أمين فقال : يا شيخ هل معك حبل و عصابة .؟ لئن كانت لديك لكان لك ما أردت .
فرد الشيخ مسرورا فرحا : نعم يا ولدي هاهو الحبل ، و هاهي العصابة .
 فأخذ العصابة فقمط بها وجهه و التثم ، و عقد الحبل تحت إبطيه و قال لصديقه أحمد : أنزلني على بركة الله لا خوف إلا منه ، باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء ، و نزل المطمورة ، لكن المفاجأة .. لقد وجد هذه المطمورة ملئى بالخفافيش ، فما إن خرق أنسجة العنكبوت حتى ، حتى تسربت أشعة الشمس إليها ، و انتفض الخفاش يتصادم مع بعضه البعض .
حاول أمين لن يتراجع ، لكن الشيخ أخذ يحفزه و يقول له : واصل ، لا تتراجع ، فإن لك ما في المطمورة و ثلث ما في الصرة .
فضحك أحمد مشمئزا و قال : يا سيدي ، فأما ما في المطمورة فليس إلا العنكبوت و الخفاش و الظلام ، و أما ثلث ما في الصرة فما أظنه بالكثير ، و إني لأرى خطرا بالمطمورة .
فقال أمين : لا تحزن يا صديقي ، له الصرة كاملة ، لا نريد عليها أجرا ، و لنا ما في المطمورة . و هو لا يقصد إلا الظلام و الخفافيش .
فقال أحمد : لك ما تريد يا صديقي ، لا نريد من الشيخ شيئا ، له الصرة كاملة بما فيها و لنا منه دعوة صالحة من قلب خالص .
فقال لهما الشيخ : جزاكما الله عني خير الجزاء ، و الله لن يضيع أجركما في الدنيا و لا في الآخرة .
وصل أمين إلى قعر المطمورة ، أخذ ينقب عن الصرة و يبحلق في كل جوالي المطمورة حتى وجدها و ليس في المطمورة إلا دراهم معدودة .
أخذ أمين الصرة و طلب من صديقه أحمد أن يجبذه إلى أعلى ، حتى يستطيع الصعود إلى السطح . ففعل أحمد ما طلب منه لكن بقليل من التسرع و القوة ، فانقطع الحبل و عاد أمين أدراجه إلى القعر ساقطا ، فأصيب أحمد بهلع و جزع شديدين ، فما كان من الشيخ إلا أن ضحك ضحكة الهازئ المتهكم و قال : لا تخف يا ولدي ، إن الإنسان لا يخطو حتى يحبو ، و لا بد من السقوط ، و كأنه كان ينتظر ذلك . فاضطرب احمد و انتفخت أوداجه و قال بصوت مرتفع : يا لها من ساعة نحس ! . أف على الطريق التي أوصلتنا إلى هنا .
فرد عليه أمين رد الصابر المتبصر : يا صديقي لا تقلق و لا تنزعج ، فما هذا إلا قدرنا فلا تعترض عليه ، و لعل فيه خيرا لنا .
فقال أحمد : هه أي خير هذا الذي يتركنا في هذه المطمورة المظلمة .. و الشيخ ساكت لا ينبس ببنت شفة، و كأنه يشعر بالذنب جراء ما حصل . ! حتى إذا فكر فقال : لا تعجل يا بني ، فكل تأخير لا يأتي إلا بخير ، و إن لي عصابة أخرى كان يتعصب بها والدي رحمه الله ، سأضيفها إلى الحبل و أنزلها إلى أمين لعلها تصل إليه فيربطها مع طرف الحبل الذي عنده .
فقال أحمد : رأي لا بأس به ، هاتني الحبل أدليه إليه  ، و لما عرف عن أحمد من قلة التعقل و الرزانة ، و كثرة التسرع ، أسقط حجرا عوض الحبل . فعاج أمين عن مكانه فإذا بالحجرة تسقط على جسم غريب أصدر صوتا ، لم بكن ظاهرا هذا الجسم ، لكن طقطقته بسقوط الحجر عليه أظهره .
فشهق أمين و قال : يا شيخ أليست لك أية برمة أو قدر قديمة كنت قد أسقطتها هنا ؟ فهاهي قدر هنا ، فلربما من مآثر الآباء ، أو أنها لم تعد تعجبك فوضعتها هنا  ، سأحضرها إليك تفعل بها ما تشاء .
أحمد هازئا : إيه لقد وعدنا بأن ما في المطمورة لنا فهي لنا إذن .
الشيخ : أجل يا بني لقد وعدتكما و وعد الحر دين عليه ، فهي لكما .
فقال أحمد : لا يا شيخ فقط أمزح معك ، خذ آنيتك و اغسلها و استعملها فيما ينفعك ، فلربما تنفعك في طهي الحساء صباحا .
أمين : إنها ليست قدرا بل صندوق ثقيل لا أستطيع اقتلاعه من الأرض ، إنه ثقيل جدا .!
الشيخ : يا بني ، عن شئت أنزلت إليك فأسا اقتلعته بها ، و إلا نصعدك حتى لا تتعب فقد تمت مهمتكما بنجاح .
أمين : لا ، لا عليك يا شيخ ، أعطني الفأس أقتلع به هذا الصندوق فلعلك تجمع فيه أوانيك و مواعينك .
أحمد : أجل يا صديقي أكمل حسنتك ، و اقتلع الصندوق و أعطه للشيخ و هيا بنا نذهب بسرعة ، فلعل الأرانب هربت ، و الحجل طار ، فقد انتظرنا كنا فلم نذهب إليه . فلربما غضب علينا .. و استرسل ضاحكا ..
الشيخ  : لا يا بني فقد قلت لكما ما في المطمورة فهو لكما ، فلا أتراجع عن كلامي .
أمين : الله أكبر الله أكبر ، أبشر يا شيخ ، فإن الصندوق مملوء بحلي الذهب و الفضة و الجواهر الثمينة و النفيسة ، لقد أغناك الله عمن سواه، فهنيئا لك .
الشيخ : بل ابشرا و هنيئا لكما ، و الله لن آخذ منه شيئا ، إني قد حرمته على نفسي قبل أن أراه ، و قد وعدتكما ما فيها و لم أكن أعلم ما فيها ، لكنه الذهب و هو لكما . و أما أنا فقد أغناني الله بالقناعة و الكفاف ، و منحني غنى لا أحتاج معه على غيره . يا ولدي لقد قلت لكما : إن كل تأخير فيه خير و هاهو الخير قد ظهر فلا تعجلا ، و لا تجعلا من خيركما هذا سببا للشقاء و التعاسة   . و لكن ليكن سببا في لسعادتكما في الدنيا و الآخرة ، كلا منه و تصدقا ، و اقسماه مناصفة لكل واحد حظه فهذا جزاء صبركما ، و نتيجة صيدكما ، فلا تتعسا .
أحمد : و لكن يا شيخ ، نحن نعلم انه لك و لا حق لنا فيه ، و أنت وحيد و ضعيف لا تقدر على العمل و الكسب ، فاتركه معك لعله ينفعك في صروف الزمان و تقلباته .
فطفق الشيخ ينظر إليهما و قال : هو لكما ، فأنا لست في حاجة إليه ، فأنا شيخ هرم لا أنتظر إلا اليقين و أما أنتما فشابان في مقتبل العمر ، فخذاه فإنه سينفعكما . و لكن لا تنسيا حق الله فيه ، فتصدقا على الفقراء و زكيا منه ، و تاجرا به حتى يربو فتنتفعا و تنفعا به ، و اعلما أنكما ستكونان مسئولين عنه يوم القيامة ، و لعل الله لم يشأ ضياعه ، علم بقرب أجلي فسخركما لي و سخرني لكما حتى نصل إلى هذا الخير و نستغله ، و حتى لا يبقى دفين المطمورة ، و أنتما تعلمان أنه لا وريث لي فخذه ، و لا تنسيا حقه ، فهيا اذهبا إلى حيث سبيلكما . أستودعكما الله الذي لا تضيع ودائعه .
الأحمد و الأمين : وداعا يا شيخ نواعدك على الوفاء بالعهد كما وفيت ، فهو لله في أيدينا ، نوتي حقه و نربي أصله ، نتاجر فيه و نتصدق منه و نمنع الربا عنه و نزكي عليه ، وعد الأحرار .
فأخذا الصندوق ، و أدخلاه السيارة و ذهبا ، فما إن وصلا مأمنهما حتى سمعا أن شيخا في الغابة قد مات ساجدا ، فشاع الخبر بين الناس فذهبا ، سألا عن الميت ، فإذا بالشيخ سلمان صاحبهما رحمة الله و وسع عليه. فبكيا حتى ارتوت الأرض من دموعهما و سترا أمرهما و دعيا له و تصدقا عليه ، و عاشا في أمان و اطمئنان بعيدا وباء الفقر و الجشع ، و تعلما درسا في القناعة و الصبر  لا ينسى .
فهنيئا لأحمد و أمين و نعم الحمد و الأمانة .   

مايو 13

قيسارية الحسن الثاني
 بقرية الجماعة
و معضلة غياب الأمن
 

أصبحت قيصارية اسباتة في واجهة الأحياء و المناطق السوداء بالدار البيضاء ، فبعد اشتهار كل من حي مولاي رشيد ، و سيدي الخدير ، و النسيم و المدينة القديمة ، بالفساد و السكر العلني و قطع الطريق على المارة ، هاهي الآن قيسارية الحسن الثاني بقرية الجماعة ، أصبحت تعد على رؤوس أحياء الدار البيضاء شغبا و تحديا و تهديدا للأمن و فسادا أخلاقيا ،  قد تكون أفسدها في المغرب على الإطلاق .
فإذا حللت مثلا بالبلوك 4 فإنه لن تسمع إلا ما يخزيك ، الكلام البذيء الفاحش ، و البلبة بالليل و النهار، و السب و الشتم يوزع هناك مجانا و بلا مقابل . هناك حيث يعتدى على الحرمات و تنتهك لمقدسات و تنتهك كل المقدسات و ترتكب كل المحرمات … في غياب تام لأي تواجد أمني قد يحد من هذه الظاهرة التي أصبحت تنخر في جسم المجتمع المغربي و لا أبالغ إن قلت لك إنك لو تحل بهذه الزنقة ستظن أنك في غابة ملئى بالوحوش و الحيوانات الناطقة  التي لا تراعي أبسط ظروف الاجتماع الإنساني ، و التي تتمثل في احترام الآخر و تقديره ، بل ستسمع الكلمات النابية ، و قد ينقص منك شخصيا ، و قد يعتدى عليك بدنيا من طرف سكير عربيد ، فهي قد أصبحت مرتعا آمنا لكل سكير أو شمكار أو منحرف خلقيا . إن هذه الزنقة لا تخلو من ناس طيبين محترمين ، و لكن الحيوانات البشرية تجعل الكل في كفة واحدة ، يشرب أحدهم الخمر أو الكحول على حد سواء فيعربد و يزعج الحي بكامله و لا من يتكلم ، و إن فرضنا وتكلم أحد الناس فإن المصيبة ستكون مصيبتين ، و لا فاك لك منه إلا بضربة قاضية أو هروب ، بل و سترى الخناجر و السكاكين .. إنها حقا غابة بلا اسود ، إنها غابة الذئاب الضارية و النعاج الضعيفة . إنها غابة بكل المقاييس !
و السؤال الذي يطرح هنا : إن سكت الناس خوفا من المجرمين ، و إن غاب الأمن تجاهلا ، فأين دور المنتخبين ؟ و اله إن هذا عار على كل مسئول ، صغيرا و كبيرا ، و حتى لا أكون كمن يتكلم من فراغ ، فما على الجاحد إلا أن يمر هناك بعد الحادية عشرة ليلا و سيرى ويسمع ما لا يليق بإنسان فضلا عن أن يكون مسلما أو متحضرا إنها حقا الهمجية .!
و أخيرا أدعو رجال الأمن إلى تنظيم دوريات لتطهير الحي من كل ما يشوبه من حثالات البشر و أذاهم ، كما أدعو المسئولين و المنتخبين إلى القيام بواجبهم في ذلك و لكل مسئوليته و السلام .

    

مايو 13

هل تصدقون ؟؟
هناك
قانون آمر بخرق القانون
 

 

في بلد كالمغرب اعتاد أهله على خرق القانون ، بطريقة أو بأخرى . فمثلا نجد أن القانون و الدستور يفرضان التعامل بالعربية في بلد عربي كالمغرب . بينما نجد الفرنسية هي السيدة في جل الإدارات و كل ذلك فوق القانون و الدستور .
         و نجد كذلك قانون الشغل، ينصف الأجير إلى أبعد حد يتصور للإنصاف في بلد غوغائي كالمغرب ، لكن هذا يبقي فقط على الورق ، أما في الواقع و على الأرض فلا نجد شيئا من ذلك .
         فجل المشغلين الخواص إن لم نقل كلهم ، يشغلون عمالهم بلا ضمان اجتماعي و لا تأمين و لا تعويض و لا أي شيء ، بل حتى الأجور يخصم منها في غالب الأحوال ، و ذلك في تحد سافر للقانون و الدستور معا .
         و رغم ذلك فكل هذا قد يقبل في بلد غوغائي و ظالم أهله كالمغرب ، لكن إذا تعلق الأمر بتقنين لخرق القانون ، و تأمين من تطبيقه ، فالأمر لم يعد طبيعيا . بل هو جرم و أي جرم هذا؟؟؟
         فإذا أردنا تعريف الجريمة في شكلها البسيط ، قلنا : كل عمل أو امتناع مخالف للقانون و معاقب عليه بمقتضاه و زاد بعض الشراح يؤدي وقوعه إلى خلل أو اضطراب اجتماعي . و كل هذه العناصر : الفعل و الامتناع و المخالفة للقانون ، و كذا النتائج أي : الاضطراب الاجتماعي متوفر في صاحبنا .
         هذا الشخص المعنوي الذي نشتغل فيه بلا حق و لا قانون ، لم يكتف بحرماننا من حقوقنا القانونية و الدستورية ، بل زاد و طالب كل واحد منا بأن يوقع له عقدا يتنازل فيه عن كل حقوقنا المهضومة و المخصومة سلفا ، و المضمونة قانونا و دستورا .
         ومن بين البنوذ التي جاءت في العقد : أطرد من شئت متى شئت . لا حق في الضمان الاجتماعي ، لا حق في التأمين ، لا حق في التعويض عن حوادث الشغل …. إلى غير ذلك من الحقوق المكفولة أخلاقيا و قانونيا و دستوريا و شرعيا . هذه الحقوق التي لم نستفد منها يوما ، جاء صاحبنا [ و . ب] لحرماننا منها قانونيا ، في هجوم استباقي حتى لا ينتفض أحد منا فيطالبه بذلك .
         فمن منا يستطيع على قانون [ وليل بات ] الجديد ؟ لا أظن أن هناك أحدا يستطيع ذلك . أمر جد غريب أن تسلب حقوقك ،  وتطالب فوق القيام بالواجبات بالرضى عمن سلبك . فإذا كنت في قتال مع أحد فلا يمكن أن تمده بالسلاح الذي يقتلك به ، و هذا ما يطالبنا به هذا الشخص بدون أدني حياء أو حشمة أو حتى صيانة لماء الوجه . و إذا قاتلت بلا سلاح فليس مستحيلا أن تنتصر ، و إنما يصعب ذلك ، و سلاح كل مقاتل في قلبه و عقله و هذا غاية ما نملك  .